


حين تصبح الزراعة مدخلاً لإعادة تشغيل الاقتصاد السوداني - (16-09-2026)

حين تصبح الزراعة مدخلاً لإعادة تشغيل الاقتصاد السوداني
السؤال الاقتصادي الأهم في السودان اليوم ليس فقط: لماذا ارتفعت الأسعار؟ بل: كيف نعيد تشغيل الاقتصاد نفسه؟
د. محمد سعد علي بيومي
مدير عام الادارة العامة للارشاد الزراعي وزارة الزراعة والري
biyumi2000@yahoo.com
الحرب لم تضرب الأسعار وحدها، بل أضعفت القدرة على الإنتاج، وأربكت الأسواق وسلاسل الإمداد، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية، وقلّصت الإيرادات العامة والقدرة الشرائية. ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوداني انكمش بشدة خلال عامي 2023 و2024، بينما بقي التعافي في 2025 محدوداً وجاء من قاعدة منخفضة للغاية. كما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024–2025.
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع الزراعة باعتبارها قطاعاً إنتاجياً واحداً ضمن قطاعات الاقتصاد. الزراعة في السودان هي إحدى البوابات الرئيسية لإعادة تشغيل الاقتصاد، لأنها ترتبط بالغذاء، والدخل الريفي، وفرص العمل، والنقل، والتجارة، والصناعات الغذائية، والصادرات، وبالتالي بالنقد الأجنبي.
وتزداد أهمية ذلك في ظل تراجع الإنتاج الزراعي. فقد قدرت FAO إنتاج الحبوب في 2025 بنحو 5.2 مليون طن، أي أقل بـ22% من العام السابق وأقل بـ19% من متوسط السنوات الخمس السابقة، نتيجة الحرب وصعوبة الوصول إلى الأراضي وارتفاع تكلفة المدخلات واضطراب الأسواق. كما تواجه زراعة 2026 مخاطر إضافية مرتبطة بنقص الأمطار وارتفاع أسعار المدخلات والوقود وضعف الوصول إلى التمويل.
لكن هنا تظهر مسألة غالباً ما تُغفل في سياسات التعافي: المدخلات وحدها لا تعيد الاقتصاد إلى العمل.
يمكن توفير البذور والأسمدة والآليات، لكن إذا لم يعرف المنتج ماذا يزرع، وكيف يخفض التكلفة، ومتى يزرع، وكيف يدير المخاطر المناخية، وأين يسوق إنتاجه، وكيف يصل إلى التمويل والمعلومة الفنية، فإن جزءاً مهماً من الاستثمار قد لا يتحول إلى إنتاج مستدام.
وهنا يعود الإرشاد الزراعي إلى موقعه الاستراتيجي.
الإرشاد الحديث ليس مجرد نقل توصية فنية من الباحث إلى المزارع. دوره في مرحلة التعافي هو ربط المعرفة بالقرار الاقتصادي للمزارع: المعلومة الفنية، والتقانات المناسبة، والمناخ والإنذار المبكر، وإدارة المخاطر، والتمويل، والأسواق، وسلاسل القيمة.
ولهذا فإن إعادة بناء الإرشاد الزراعي ينبغي ألا تُفهم باعتبارها إعادة تشغيل جهاز خدمي تقليدي، وإنما باعتبارها إعادة بناء للبنية المعرفية للاقتصاد الزراعي.
فإذا كان المزارع هو المنتج، فإن الإرشاد يساعده على اتخاذ القرار، وإذا كانت الدولة تستثمر في المدخلات والبنية التحتية، فإن الإرشاد يساعد على تحويل هذا الاستثمار إلى ممارسة إنتاجية، وإذا كان الهدف زيادة الصادرات، فإن الإرشاد يمكن أن يربط المنتج بمعايير الجودة والتجميع والتصنيع والأسواق.
وتؤكد خبرة الاستجابة الزراعية في السودان أن الدعم الفني المصحوب بالمدخلات يمكن أن يحدث أثراً اقتصادياً ملموساً، فقد ساهمت حملة FAO للبذور في 2025، وفق تقديرات المنظمة، في نحو 22% من إنتاج الذرة الرفيعة الوطني بقيمة تقدر بنحو 515 مليون دولار.
لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إرشاد يشرح للمزارع ماذا يفعل إلى إرشاد يساعده على اتخاذ قرارات إنتاجية واقتصادية أفضل.
لذلك، فإن الاستثمار في الإرشاد الزراعي يجب أن يرتبط بثلاثة أهداف اقتصادية واضحة: خفض تكلفة الإنتاج، رفع الإنتاجية، وتحسين قدرة المنتج على الوصول إلى السوق والقيمة المضافة.
وهذا يتطلب إعادة تصميم الخدمة الإرشادية حول الحزم التقنية، ونشر وتبني التقانات، والمعرفة والابتكار المجتمعي، مع توظيف الإرشاد الرقمي، والبيانات، والإنذار المبكر، والشراكات مع القطاع الخاص والجامعات ومؤسسات التمويل.
السودان لا يحتاج في هذه المرحلة إلى مزيد من البرامج المتفرقة بقدر ما يحتاج إلى منظومة تربط الإنتاج بالمعرفة والتمويل والسوق.
والخلاصة أن معالجة الأزمة الاقتصادية لن تبدأ من سعر الصرف وحده، ولا من زيادة الاستيراد، ولا من ضخ المساعدات إلى ما لا نهاية. إنها تبدأ من إعادة بناء القدرة على الإنتاج.
وفي اقتصاد يعتمد فيه ملايين السودانيين على الزراعة، يصبح دعم المزارع بالمعرفة جزءاً من السياسة الاقتصادية، وليس مجرد خدمة فنية.
إذا كانت الزراعة إحدى بوابات إعادة تشغيل الاقتصاد السوداني، فإن الإرشاد الزراعي هو إحدى البنى التي تجعل هذه البوابة تعمل.